السبت، 10 ديسمبر 2016

خلافة المقتدى بأمر الله (467-487هـ/ 1075-1094م)

خلافة المقتدى بأمر الله (467-487هـ/ 1075-1094م) 
هو أبو القاسم عدة الدين عبدالله بن الأمير ذخيرة الدين أبو القاسم محمد بن الخليفة القائم بأمر الله بن القادر العباسي، وأمه أرمنية تسمى "أرجوان" وتدعى "قرة العين"، وقد أدركت خلافة ولدها هذا، وخلافة ولديه من بعده المستظهر والمسترشد، وقد كان أبوه توفي وهو حمل، فحين ولد ذكرًا فرح به جده والمسلمون فرحًا شديدًا، إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في بيتهم؛ لأن من عداهم كانوا يتبذلون في الأسواق ويختلطون مع العوام، وكانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس، ونشأ هذا في حجر جده القائم بأمر الله يربيه بما يليق بأمثاله، ويدربه على أحسن السجايا ولله الحمد، وقد كان المقتدي حين ولي الخلافة عمره عشرين سنة، وهو في غاية الجمال خُلقًا وخَلْقًا. وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة، وجلس في دار الشجرة بقميص أبيض وعمامة بيضاء لطيفة، وجاء الوزراء والأمراء والأشراف ووجوه الناس فبايعوه، فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي، وأنشد قول الشاعر... إذا سيد منا مضى قام سيد... ثم ارتج عليه فلم يدر ما بعده فقال الخليفة... قؤول بما قال الكرام فعول، وبايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والشيخ أبو نصر بن الصباغ الشافعيان، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي. وبرز فصلى بالناس العصر ثم بعد ساعة أخرج تابوت جده بسكون ووقار من غير صراخ ولا نوح، فصلى عليه وحمل إلى المقبرة، وقد كان المقتدي شهمًا شجاعًا، أيامه كلها مباركة، والرزق وافر، والخلافة معظمة جدًا، وتصاغرت الملوك له وتضاءلوا بين يديه، وخُطب له بالحرمين وبيت المقدس والشام كلها، واسترجع المسلمون الرها وأنطاكية من أيدي العدو، وعمرت بغداد وغيرها من البلاد، واستوزر ابن جهير ثم أبا شجاع ثم أعاد ابن جهير وقاضيه الدامغاني ثم أبا بكر الشاشي وهؤلاء من خيار القضاة والوزراء ولله الحمد. وفاة المقتدي بأمر الله في سنة سبع وثمانين وأربعمائة ويوم السبت خامس عشر المحرم توفي الإمام المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأة. وكان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه فقرأه وتدبره وعلم فيه، ثم قدم إليه طعام فأكل منه وغسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار فقال لها‏:‏ ما هذه الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن قالت‏:‏ فالتفت فلم أر شيئًا، ورأيته قد تغيرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوته، وسقط إلى الأرض، فظننتها غشية قد لاحقته، فحللت أزرار ثوبه، فوجدته وقد ظهرت عليه أمارات الموت، ومات لوقته‏.‏ قالت‏:‏ فتماسكت وقلت لجارية عندي‏:‏ ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، فإن صحت قتلتك، وأحضرت الوزير فأعلمته الحال، فشرعوا في البيعة لولي العهد، وجهزوا المقتدي، وصلى عليه ابنه المستظهر بالله ودفنوه، وكان عمره ثمان وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر غير يومين. وكانت أيامه كثيرة الخير، واسعة الرزق، وعظمت الخلافة أكثر مما كان من قبله، وانعمرت ببغداد عدة محال في خلافته منها‏:‏ البصلية والقطيعة والحلبة والمقتدية والأجمة ودرب القيار وخربة ابن جردة وخربة الهراس والخاتونيتين‏.‏ وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من بغداد، وبيع دورهن فنفين، ومنع الناس أن يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وقلع الهرادي والأبراج التي للطيور، ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة، وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، وأمر أن من يغسل السمك المالح يعبر إلى النجمي فيغسله هناك، ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين، وكان قوي النفس، عظيم الهمة، من رجال بني العباس‏. ========== البداية والنهاية الكامل فى التاريخ ربما تحتوي الصورة على: شخص واحد ، ‏أشخاص يجلسون‏ أعجبنيعرض مزيد من التفاعلاتتعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق